الجصاص
339
الفصول في الأصول
باب القول في الإجماع بعد الاختلاف إذا اختلف الصحابة في حكم مسألة وانقرضوا ، ثم ( 1 ) أجمع أهل عصر بعدهم على أحد تلك الأقاويل التي قال به أهل العصر المتقدم - فإن من الناس من يقول : إجماع أهل العصر الثاني ليس بحجة ، ويسع كل أحد خلافه ببعض الأقاويل التي قال بها أهل العصر المتقدم . وقال آخرون : هذا على وجهين : فإن كان خلافا يوثم فيه بعضهم بعضا فإن اجماع أهل العصر الثاني يسقط الخلاف الأول . وإن كان خلافا يوثم فيه بعضهم بعضا وسوغوا الاجتهاد فيه فإن إجماع من بعدهم لا يسقط الخلاف المتقدم . ( 2 ) قال أبو بكر : وقال أصحابنا : إجماع أهل العصر الثاني حجة لا يسع من بعدهم خلافه ، قال محمد بن الحسن - في قاض حكم بجوار بيع أم الولد بعد موت مولاها : إني أبطل قضاءه ، لأن الصحابة كانت اختلف فيه ، ثم أجمع بعد ذلك قضاة المسلمين وفقهاؤهم ( على أنها حرة لا تباع ، ولا تورث ، لم يختلف في ذلك أحد من قضاة المسلمين وفقهائهم ) ( 3 ) في جميع الأمصار إلى يومنا هذا ، ولم يكن الله تعالى ليجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة ، وقال محمد : فكل أمر اختلف فيه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم أجمع التابعون من بعدهم جميعا على قول بعضهم دون بعض ، وترك قول الآخر ، فلم يعمل به أحد ، إلى يومنا هذا ، فعمل به عامل اليوم وقضى به ، فليس ينبغي لقاض ولي هذا أن يجيزه ، ولكن يرده ويستقبل فيه القضاء بما أجمع عليه المسلمون .